احتجاجات العراق لم تغير النظام.. لكنَّها غيرت في المتظاهرين

مع استمرار الاحتجاجات في العراق، أجرت مجموعة «المستقلة» للبحوث استطلاعًا للرأي، استند إلى 1250 مقابلة مع محتجين في بغداد ومختلف المدن الرئيسية، وأظهر أن المواطنين باتوا يشعرون بأنهم أكثر أهمية وفخرًا بهويتهم العراقية مما مضى.

استعرضت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بعض إحصائيات استطلاع الرأي والاستنتاجات التي توصل إليها في مقال كتبه منقذ داغر، رئيس المجموعة المستقلة، ومدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «جالوب» للأبحاث.

استهل داغر مقاله بالإشارة إلى أن المظاهرات الأخيرة التي شهدتها العراق تُعد من بين الاحتجاجات الأكثر دموية في تاريخها الحديث، إذ قُتِل قرابة 500  عراقي وأُصيب 1700 آخرين في الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين، وفق تقديرات موثوق بها.

لكنَّ الاحتجاجات في بغداد والمحافظات الشيعية في الجنوب ينبغي ألا تكون بمثابة مفاجأة؛ إذ لم تقدم الحكومة ذات الأغلبية الشيعية الاحتياجات الأساسية لأنصارها. ولكن ماذا يعتقد المشاركون في الاحتجاجات حقًّا؟

دراسة استقصائية فريدة للمحتجين العراقيين

في محاولة للحصول على فهم أفضل لديناميكيات هؤلاء المحتجين، وكيف يمكن معالجة مظالمهم، أجرت «المستقلة» للبحوث والدراسات بقيادة داغر استطلاعًا ميدانيًّا للرأي شمل نحو 1250 مقابلة مع محتجين في بغداد ومختلف المدن الرئيسية في جنوب العراق خلال الفترة من 24 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى 1 ديسمبر (كانون الأول).

أحد أقوى استنتاجات الدراسة الاستقصائية – على حد وصف الكاتب – كانت الأهمية البالغة للشعور بالتميز لدى المحتجين، وفي استطلاع للرأي أُجري على مستوى البلاد في وقت سابق من هذا العام، قال ثلاثة من كل أربعة أشخاص إن حياتهم فقدت معناها تمامًا، بينما قال 80% إنهم شعروا بالاكتئاب لمرة واحدة على الأقل خلال الأشهر الستة السابقة.

ويضيف داغر: «لكن يبدو أن المشاركة في هذه المظاهرات غيَّرت تلك المشاعر، إذ قال 94% تقريبًا من المحتجين إن هذه المظاهرات جعلتهم يشعرون بأنهم أشخاص ذوو أهمية. وقالت النسبة ذاتها تقريبًا إن المشاركة في هذه الاحتجاجات جعلتهم يشعرون كأن لهم كلمة مؤثرة، ولها دور في تحديد مستقبل العراق. وأشار 97% إلى أن المشاركة في الاحتجاجات جعلتهم أكثر فخرًا بهويتهم العراقية».

ثورة رقمية.. بدون قيود المؤسسات التقليدية

انتظرت الحكومة وقتًا طويلًا كي تمنح الأجيال الأكبر سنًّا من العراقيين ما كانوا يعتقدون أنهم يستحقونه؛ بينما يطالب المحتجون الأصغر سنًّا بهذا الحق بنشاط. وقال 90% تقريبًا إن هذه الاحتجاجات جعلتهم يشعرون بأنهم يتحدون النظام الحالي. ويمكن تلخيص ذلك التحدي في الشعار الأساسي لتلك الاحتجاجات: «نازل آخد حقي».

واستدرك داغر قائلًا: «إن الثورة الرقمية والفساد الحكومي قوَّضا بشدة قدرة المؤسسات التقليدية – مثل المدارس والسلطات الدينية والعائلات – على التحكم في سلوك الشباب العراقيين. فمنذ عام 2004، قفزت نسبة العراقيين الذين يملكون هاتفًا محمولًا من 1% إلى 100% تقريبًا، وأصبح أكثر من 80% منهم يستخدمون هواتفًا ذكية تتوفر فيها إمكانية الاتصال بشبكة الإنترنت. وتظهر هذه الدراسة الاستقصائية أنه بحلول عام 2018 (على الأقل)، أصبح العراقيون يستخدمون الإنترنت مصدرًا رئيسًا للمعلومات».

وأشار ثلثا المحتجين إلى أنهم خرجوا إلى الاحتجاجات بناءً على دعوة تلقوها إما عبر الإنترنت أو شبكات اجتماعية. وخرج 12% فقط إلى الاحتجاجات بناءً على دعوات أفراد الأسرة. وهذا تحولٌ عما كان عليه الحال في الماضي، عندما كانت الحكومة تتحكم في تدفق المعلومات إلى المواطنين العراقيين.

ماذا يريد المحتجون؟

يطالب المحتجون العراقيون بتغيير عميق في النظام السياسي بشكل عام، وليس فقط في الحكومة الحالية. وقبل استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، قال 86% من المحتجين إنهم لن يتوقفوا عن الاحتجاج، حتى إن أُقيلت الحكومة الحالية. كما أنهم لم يكونوا مبهورين، ومن غير المرجح أن ينبهروا، بإعادة تشكيل الحكومة بناءً على التحالفات السياسية القديمة.

وألمح الكاتب إلى أن «المشكلة الكبرى في أي حلٍ دائمٍ هي الافتقار العميق إلى الثقة في الأطراف السياسية الحالية. وباستثناء رجل الدين الشيعي الأكثر تأثيرًا في العراق علي السيستاني، الذي يتمتع بثقة 60% من المحتجين، فإن كافة الجهات الفاعلة الحكومية الأخرى «التشريعية والتنفيذية وحتى السلطة القضائية» تحظى بثقة أقل من 5% من العراقيين، بحسب استطلاع الرأي الأخير.

ويرحب أكثر من 90% من المحتجين بإجراء انتخابات مبكرة، لكن نظرًا إلى انعدام الثقة في المؤسسات الحكومية، توافق نسبة منخفضة على ضرورة إجرائها تحت قيادة اللجنة الانتخابية الحالية، أو حتى تحت إشراف قضاة عراقيين.

وتحظى الجهات الفاعلة الدولية في الخارج بمستوى متدنٍ من الثقة أيضًا؛ إذ تحظى إيران بثقة 1% ممن أجريت معهم مقابلات، بينما تحظى الولايات المتحدة بثقة 7%، والاتحاد الأوروبي بـ 25% والأمم المتحدة بـ 30 % .

التطلع إلى المستقبل

أبدى المحتجون العراقيون من فئة الشباب قدرة ملحوظة على مقاومة الانجراف إلى العنف، على الرغم من أنهم تكبدوا خسائر فادحة، وهناك جهود حثيثة للمليشيات المسلحة وقوات الأمن لجرِّهم إلى السلوك العنيف. وحافظ المحتجون على تركيزهم وإصرارهم على تحقيق هدفهم بتغيير النظام السياسي وإقامة نظام قائم على الجدارة في المقام الأول، وليس على الانتماء الجماعي.

واختتم داغر مقاله بالقول: «على الرغم من صعوبة رؤية طريق للخروج من الاحتجاجات الدموية الحالية، فإنه تجدر الإشارة إلى أن 70% من المحتجين وافقوا على إجراء انتخابات موثوقة ومبكِّرة تحت إشراف الأمم المتحدة».

________________________________

(*) نقلاً عن موقع ساسة بوست. الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي فورمينا

من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدام الكوكيز. المزيد من المعلومات

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

إغلاق